قصة سيدنا عيسى عليه السلام مكتوبة
ملخص قصة عيسى ابن مريم عليه السلام
جاء في كتاب الله تعالى كيف أن امرأة عمران أم مريم عليها السلام نذرت إن حملت وأكرمها الله بالولد أن تجعل ما في بطنها محررا أي حبيسا في خدمة بيت المقدس، فلما حملت ووضعت مريم عليها السلام قالت رب إني وضعتها أنثى والله أعلم بما وضعت وليس الذكر كالأنثى وإني سميتها مريم وإني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم وقد أخذتها وذهبت بها إلى المسجد وسلمتها، ومريم يومئذ بنت رئيس صلاتهم فتنازعوا بينهم من منهم يكفل مريم عليها السلام فاقترعوا بينهم فوقعت القرعة على زكريا عليه السلام وهو أحق بكفالتها شرعا وقدرا حيث إنه نبي هذا الزمان وزوج أختها على قول أو زوج خالتها على قول آخر. وقد نشأت مريم عليها السلام بين جنبات المسجد تقوم بنوبتها في خدمة المسجد ولا تفتر من العبادة ليلا أو نهارا حتى اشتهر أمرها وكرمها وشرفها، وكان زكريا كلما دخل عليها وجد من عجائب الرزق حيث كان يجد فاكهة الشتاء في الصيف وفاكهة الصيف في الشتاء، فلما سألها أنى لك هذا قالت هو من عند الله إن الله يرزق من يشاء بغير حساب [آل عمران: 37]. ولما شبت مريم وبلغت مبلغ النساء أرسل الله إليها جبريل عليه السلام فتمثل لها بشرا سويا يبشرها بأنها ستلد غلاما زكيا، فلما استعجبت من ذلك أخبرها بأنه أمر قضاه الله تعالى، فنفخ في جيبها فحملت بعيسى عليه السلام. فلما أحست مريم خرجت إلى جانب المحراب الشرقي فأتت أقصاه فأجاءها المخاض إلى جذع النخلة قالت - وهي تطلق من الحبل استحياء من الناس - يا ليتني مت قبل هذا وكنت نسيا منسيا ، يعني نسي ذكري وأثري فلا يرى لي أثر ولا عين. وحينئذ ناداها من تحتها جبريل أو عيسى عليه السلام ألا تحزني قد جعل ربك تحتك سريا نهرا وكان ثمة جذع نخلة كانت قد احتضنته من شدة الألم فاخضر وأرطب فأمرها بهزه فسقط عليها الرطب فأكلت وشربت وقرت عينها، وأمرها إن رأت من البشر أحدا أن تخبره بأنها صائمة فلن تكلم اليوم إنسيا. ولما حملته وأتت به قومها تحمله، وأقامت الحجة عليهم بطهرها وعفافها أنه إنما هو أمر قضاه الله عليها خرجت به خوفا عليه من اليهود وسارت به ويوسف النجار إلى أرض مصر. وقد عصم الله سبحانه المسيح عليه السلام من أن يمسه وأمه الشيطان، وقد جاء في صفته عليه السلام أنه كان يلبس الشعر ويأكل من ورق الشجر ، ولا يأوي إلى منزل ولا أهل ولا مال ، ولا يدخر شيئا لغد. وعن خلف بن حوشب قال : قال عيسى للحواريين : كما ترك لكم الملوك الحكمة ، فكذلك فاتركوا لهم الدنيا ، وكان يقول : حب الدنيا رأس كل خطيئة ، والنظر يزرع في القلب الشهوة . والمأثور عنه من المواعظ كثير، وقد كان يسكن عليه السلام الناصرة من ساعير أرض الخليل، وقد عصمه الله تعالى من إبليس عليه لعنة الله رغم محاولات إغوائه المتكررة. هذا وقد وهب الله لنبيه عليه السلام العديد من الآيات الباهرات حجة على قومه بدءا من معجزة ولادته من غير أب وتكلمه في المهد وحتى شفاء المرضى وإحياء الموتى، وإنزال مائدة من السماء، إلى غير ذلك من المعجزات والآيات البينات. فلما زاد اليهود في العناد وأرادوا به الكيد رفعه الله سبحانه إليه فكان في رفعه آية وفتنة هلك فيها من هلك وضل وآمن فيها من آمن واستقام. وقد أخبر نبينا صلى الله عليه وسلم أنه نازل فينا في آخر الزمان فيكسر الصليب ويقتل الخنزير والدجال ويضع الجزية ولا يقبل إلا الإسلام. واختلف الناس بعد رفع الله سبحانه له صلى الله عليه وسلم على ثلاث فرق ، فقالت طائفة : كان الله فينا ما شاء ثم صعد إلى السماء . وهؤلاء اليعقوبية، وقالت فرقة : كان فينا ابن الله ما شاء، ثم رفعه الله إليه. وهؤلاء النسطورية، وقالت فرقة: كان فينا عبد الله ورسوله ما شاء الله ، ثم رفعه الله إليه، وهؤلاء المسلمون، فتظاهرت الكافرتان على المسلمة فقتلوها، فلم يزل الإسلام طامسا حتى بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم. وظل الجدال حول المسيح وطبيعته يشتد ويحتد حتى كان عهد قسطنطين فدعاهم إلى المجمع الأول وأقر فيه ما هم عليه من الضلال وخرج المسلمون الموحدون إلى الجبال الصحاري وبنوا بها الصوامع والبيع ورضوا بالزهيد من العيش مع بقائهم على توحيد ربهم. وقد نصت بعض الكتب على أسماء الحواريين الذين آمنوا بعيسى عليه السلام فأولهم شمعون الصفا، ثم أندرواس أخوه ثم ربدى، ثم يوحنا أخوه ثم تولوس، ثم لوقا، ثم برتملى، ثم ثوما، ثم متى الماكس، ثم يعقوب بن خلفى، ثم شمعون العتاني، ثم مارقوش. وقد توفى الله مريم عليها السلام بعد رفع المسيح عليه السلام بست سنين وكانت قد تجاوز عمرها الخمسين عاما عليها السلام.
نبذة عن عيسى علية السلام
مثل عيسى مثل آدم خلقه الله من تراب وقال له كن فيكون، هو عيسى بن مريم رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم، وهو الذي بشر بالنبي محمد، آتاه الله البينات وأيده بروح القدس وكان وجيها في الدنيا والآخرة ومن المقربين، كلم الناس في المهد وكهلا وكان يخلق من الطين كهيئة الطير فينفخ فيها فتكون طيرا، ويبرئ الأكمه والأبرص ويخرج الموتى كل بإذن الله، دعا المسيح قومه لعبادة الله الواحد الأحد ولكنهم أبوا واستكبروا وعارضوه، ولم يؤمن به سوى بسطاء قومه، رفعه الله إلى السماء وسيهبط حينما يشاء الله إلى الأرض ليكون شهيدا على الناس. الحديث عن نبي الله عيسى عليه السلام، يستدعي الحديث عن أمه مريم، بل وعن ذرية آل عمران هذه الذرية التي اصطفاها الله تعالى واختارها، كما اختار آدم ونوحا وآل إبراهيم على العالمين. آل عمران أسرة كريمة مكونة من عمران والد مريم، وامرأة عمران أم مريم، ومريم، وعيسى عليه السلام؛ فعمران جد عيسى لأمه، وامرأة عمران جدته لأمه، وكان عمران صاحب صلاة بني إسرائيل في زمانه، وكانت زوجته امرأة عمران امرأة صالحة كذلك، وكانت لا تلد، فدعت الله تعالى أن يرزقها ولدا، ونذرت أن تجعله مفرغا للعبادة ولخدمة بيت المقدس، فاستجاب الله دعاءها، ولكن شاء الله أن تلد أنثى هي مريم، وجعل الله تعالى كفالتها ورعايتها إلى زكريا عليه السلام، وهو زوج خالتها، وإنما قدر الله ذلك لتقتبس منه علما نافعا، وعملا صالحا. كانت مريم مثالا للعبادة والتقوى، وأسبغ الله تعالى عليها فضله ونعمه مما لفت أنظار الآخرين، فكان زكريا عليه السلام كلما دخل عليها المحراب وجد عندها رزقا، فيسألها من أين لك هذا، فتجيب: (قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ اللّهِ إنَّ اللّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَاء بِغَيْرِ حِسَابٍ). كل ذلك إنما كان تمهيدا للمعجزة العظمى؛ حيث ولد عيسى عليه السلام من هذه المرأة الطاهرة النقية، دون أن يكون له أب كسائر الخلق، واستمع إلى بداية القصة كما أوردها القرآن الكريم، قال تعالى: وَإِذْ قَالَتِ الْمَلاَئِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاء الْعَالَمِينَ (42) (آل عمران) بهذه الكلمات البسيطة فهمت مريم أن الله يختارها، ويطهرها ويختارها ويجعلها على رأس نساء الوجود.. هذا الوجود، والوجود الذي لم يخلق بعد.. هي أعظم فتاة في الدنيا وبعد قيامة الأموات وخلق الآخرة.. وعادت الملائكة تتحدث: يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ (43) (آل عمران)
ولادة عيسى عليه السلام
كان الأمر الصادر بعد البشارة أن تزيد من خشوعها، وسجودها وركوعها لله.. وملأ قلب مريم إحساس مفاجئ بأن شيئا عظيما يوشك أن يقع.. ويروي الله تعالى في القرآن الكريم قصة ولادة عيسى عليه السلام فيقول: وَاذكُر فِى الكِتَابِ مَريَمَ إِذِ انتَبَذَت مِن أَهلِهَا مَكَاناً شَرقِياً (16) فَاتخَذَت مِن دُونِهِم حِجَاباً فَأَرسَلنَا إِلَيهَا رُوحَنَا فَتَمَثلَ لَهَا بَشَراً سَوِياً (17) قَالَت إِني أَعُوذُ بِالرحمَـنِ مِنكَ إِن كُنتَ تَقِياً (18) قَالَ إِنمَا أَنَا رَسُولُ رَبكِ لأهَبَ لَكِ غُلاماً زَكِياً (19) قَالَت أنى يَكُونُ لِى غُلامٌ وَلَم يَمسَسنِى بَشَرٌ وَلَم أَكُ بَغِياً (20) قَالَ كَذلِكَ قَالَ رَبكَ هُوَ عَلَى هَينٌ وَلِنَجعَلَهُ ءايَةً للناسِ وَرَحمَةً منا وَكَانَ أَمراً مقضِياً (21) (مريم) جاء جبريل –عليه السلام- لمريم وهي في المحراب على صورة بشر في غاية الجمال. فخافت مريم وقالت: (إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَن مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيًّا) أرادت أن تحتمي في الله.. وسألته هل هو إنسان طيب يعرف الله ويتقيه. فجاء جوابه ليطمئنها بأنه يخاف الله ويتقيه:(قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا) اطمئنت مريم للغريب، لكن سرعان ما تذكّرت ما قاله (لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا) استغربت مريم العذراء من ذلك.. فلم يمسسها بشر من قبل.. ولم تتزوج، ولم يخطبها أحد، كيف تنجب بغير زواج!! فقالت لرسول ربّها: (أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا) قال الروح الأمين: (كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِّنَّا وَكَانَ أَمْرًا مَّقْضِيًّا) استقبل عقل مريم كلمات الروح الأمين.. ألم يقل لها إن هذا هو أمر الله ..؟ وكل شيء ينفذ إذا أمر الله.. ثم أي غرابة في أن تلد بغير أن يمسسها بشر..؟ لقد خلق الله سبحانه وتعالى آدم من غير أب أو أم، لم يكن هناك ذكر وأنثى قبل خلق آدم. وخلقت حواء من آدم فهي قد خلقت من ذكر بغير أنثى.. ويخلق ابنها من غير أب.. يخلق من أنثى بغير ذكر.. والعادة أن يخلق الإنسان من ذكر وأنثى.. العادة أن يكون له أب وأم.. لكن المعجزة تقع عندما يريد الله تعالى أن تقع.. عاد جبريل عليه السلام يتحدث: (إِنَّ اللّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (45) وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلاً وَمِنَ الصَّالِحِينَ) زادت دهشة مريم.. قبل أن تحمله في بطنها تعرف اسمه.. وتعرف أنه سيكون وجيها عند الله وعند الناس، وتعرف أنه سيكلم الناس وهو طفل وهو كبير.. وقبل أن يتحرك فم مريم بسؤال آخر.. نفخ جبريل عليه السلام في جيب مريم –الجيب هو شق الثوب الذي يكون في الصدر- فحملت فورا. ومرت الأيام.. كان حملها يختلف عن حمل النساء.. لم تمرض ولم تشعر بثقل ولا أحست أن شيئا زاد عليها ولا ارتفع بطنها كعادة النساء.. كان حملها به نعمة طيبة. وجاء الشهر التاسع.. وفي العلماء من يقول إن الفاء تفيد التعقيب السريع.. بمعنى أن مريم لم تحمل بعيسى تسعة أشهر، وإنما ولدته مباشرة كمعجزة.. خرجت مريم ذات يوم إلى مكان بعيد.. إنها تحس أن شيئا سيقع اليوم.. لكنها لا تعرف حقيقة هذا الشيء.. قادتها قدماها إلى مكان يمتلئ بالشجر.. والنخل، مكان لا يقصده أحد لبعده.. مكان لا يعرفه غيرها.. لم يكن الناس يعرفون أن مريم حامل.. وإنها ستلد.. كان المحراب مغلقا عليها، والناس يعرفون أنها تتعبد فلا يقترب منها أحد.. جلست مريم تستريح تحت جذع نخلة؛ لم تكن نخلة كاملة، إنما جذع فقط، لتظهر معجزات الله سبحانه وتعالى لمريم عند ولادة عيسى فيطمئن قلبها.. وراحت تفكر في نفسها.. كانت تشعر بألم.. وراح الألم يتزايد ويجيء في مراحل متقاربة.. وبدأت مريم تلد.. فَأَجَاءهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنتُ نَسْيًا مَّنسِيًّا (23) (مريم) إن ألم الميلاد يحمل لنفس العذراء الطاهرة آلاما أخرى تتوقعها ولم تقع بعد.. كيف يستقبل الناس طفلها هذا..؟ وماذا يقولون عنها..؟ إنهم يعرفون أنها عذراء.. فكيف تلد العذراء..؟ هل يصدق الناس أنها ولدته بغير أن يمسسها بشر..؟ وتصورت نظرات الشك.. وكلمات الفضول.. وتعليقات الناس.. وامتلأ قلبها بالحزن.. وولدت في نفس اللحظة من قدر عليه أن يحمل في قلبه أحزان البشرية.. لم تكد مريم تنتهي من تمنيها الموت والنسيان، حتى نادها الطفل الذي ولد: فَنَادَاهَا مِن تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا (24) وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا (25) فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيًّا (26) (مريم) نظرت مريم إلى المسيح.. سمعته يطلب منها أن تكف عن حزنها.. ويطلب منها أن تهز جذع النخلة لتسقط عليها بعض ثمارها الشهية.. فلتأكل، ولتشرب، ولتمتلئ بالسلام والفرح ولا تفكر في شيء.. فإذا رأت من البشر أحدا فلتقل لهم أنها نذرت للرحمن صوما فلن تكلم اليوم إنسانا.. ولتدع له الباقي.. لم تكد تلمس جذعها حتى تساقط عليها رطب شهي.. فأكلت وشربت ولفت الطفل في ملابسها.. كان تفكير مريم العذراء كله يدور حول مركز واحد.. هو عيسى، وهي تتساءل بينها وبين نفسها: كيف يستقبله اليهود..؟ ماذا يقولون فيه..؟ هل يصدق أحد من كهنة اليهود الذين يعيشون على الغش والخديعة والسرقة..؟ هل يصدق أحدهم وهو بعيد عن الله أن الله هو الذي رزقها هذا الطفل؟ إن موعد خلوتها ينتهي، ولا بد أن تعود إلى قومها.. فماذا يقولون الناس؟
مواجهة القوم
كان الوقت عصرا حين عادت مريم.. وكان السوق الكبير الذي يقع في طريقها إلى المسجد يمتلئ بالناس الذي فرغوا من البيع والشراء وجلسوا يثرثرون. لم تكد مريم تتوسط السوق حتى لاحظ الناس أنها تحمل طفلا، وتضمه لصدرها وتمشي به في جلال وبطئ.. تسائل أحد الفضوليين: أليست هذه مريم العذراء..؟ طفل من هذا الذي تحمله على صدرها..؟ قال أحدهم: هو طفلها.. ترى أي قصة ستخرج بها علينا..؟ وجاء كهنة اليهود يسألونها.. ابن من هذا يا مريم؟ لماذا لا تردين؟ هو ابنك قطعا.. كيف جاءك ولد وأنت عذراء؟ يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا (28) (مريم) الكلمة ترمي مريم بالبغاء.. هكذا مباشرة دون استماع أو تحقيق أو تثبت.. ترميها بالبغاء وتعيرها بأنها من بيت طيب وليست أمها بغيا.. فكيف صارت هي كذلك؟ راحت الاتهامات تسقط عليها وهي مرفوعة الرأس.. تومض عيناها بالكبرياء والأمومة.. ويشع من وجهها نور يفيض بالثقة.. فلما زادت الأسئلة، وضاق الحال، وانحصر المجال، وامتنع المقال، اشتد توكلها على ذي الجلال وأشارت إليه.. أشارت بيدها لعيسى.. واندهش الناس.. فهموا أنها صائمة عن الكلام وترجو منهم أن يسألوه هو كيف جاء.. تساءل الكهنة ورؤساء اليهود كيف يوجهون السؤال لطفل ولد منذ أيام.. هل يتكلم طفل في لفافته..؟! قالوا لمريم: (كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا). قال عيسى: قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا (30) وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا (31) وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا (32) وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدتُّ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا (33) (مريم) لم يكد عيسى ينتهي من كلامه حتى كانت وجوه الكهنة والأحبار ممتقعة وشاحبة.. كانوا يشهدون معجزة تقع أمامهم مباشرة.. هذا طفل يتكلم في مهده.. طفل جاء بغير أب.. طفل يقول أن الله قد آتاه الكتاب وجعله نبيا.. هذا يعني إن سلطتهم في طريقها إلى الانهيار.. سيصبح كل واحد فيهم بلا قيمة عندما يكبر هذا الطفل.. لن يستطيع أن يبيع الغفران للناس، أو يحكمهم عن طريق ادعائه أنه ظل السماء على الأرض، أو باعتباره الوحيد العارف في الشريعة.. شعر كهنة اليهود بالمأساة الشخصية التي جاءتهم بميلاد هذا الطفل.. إن مجرد مجيء المسيح يعني إعادة الناس إلى عبادة الله وحده.. وهذا معناه إعدام الديانة اليهودية الحالية.. فالفرق بين تعاليم موسى وتصرفات اليهود كان يشبه الفرق بين نجوم السماء ووحل الطرقات.. وتكتم رهبان اليهود قصة ميلاد عيسى وكلامه في المهد.. واتهموا مريم العذراء ببهتان عظيم.. اتهموها بالبغاء.. رغم أنهم عاينوا بأنفسهم معجزة كلام ابنها في المهد. وتخبرنا بعض الروايات أن مريم هاجرت بعيسى إلى مصر، بينما تخبرنا روايات أخرى بأن هجرتها كانت من بيت لحم لبيت المقدس. إلا أن المعروف لدينا هو أن هذه الهجرة كانت قبل بعثته.
معجزات عيسى عليه السلام
كبر عيسى.. ونزل عليه الوحي، وأعطاه الله الإنجيل. وكان عمره آنذاك -كما يرى الكثير من العلماء- ثلاثون سنة. وأظهر الله على يديه المعجزات. يقول المولى عزّ وجل في كتابه عن معجزات عيسى عليه السلام: وَيُعَلمُهُ الكِتَابَ وَالحِكمَةَ وَالتورَاةَ وَالإِنجِيلَ (48) وَرَسُولاً إِلَى بَنِي إِسرائيلَ أني قَد جِئتُكُم بِآيَةٍ من ربكُم أَنِي أَخلُقُ لَكُم منَ الطينِ كَهَيئَةِ الطيرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيرًا بِإِذنِ اللهِ وَأُبرِىْ الأكمَهَ والأبرَصَ وَأُحي المَوتَى بِإِذنِ اللهِ وَأُنَبئُكُم بِمَا تَأكُلُونَ وَمَا تَدخِرُونَ فِى بُيُوتِكُم إِن فِي ذلِكَ لآيَةً لكُم إِن كُنتُم مؤمِنِينَ (49) وَمُصَدقًا لمَا بَينَ يَدَي مِنَ التورَاةِ وَلأحِل لَكُم بَعضَ الذِي حُرمَ عَلَيكُم وَجِئتُكُم بِآيَةٍ من ربكُم فَاتقُوا اللهَ وَأَطِيعُونِ (50) إِن اللهَ رَبي وَرَبكُم فَاعبُدُوهُ هَـذَا صِراطٌ مستَقِيمٌ (51) (آل عمران) فكان عيسى –عليه السلام- رسولا لبني إسرائيل فقط. ومعجزاته هي: علّمه الله التوراة. يصنع من الطين شكل الطير ثم ينفخ فيه فيصبح طيرا حيّا يطير أمام أعينهم. يعالج الأكمه (وهو من ولد أعمى)، فيمسح على عينيه أمامهم فيبصر. يعالج الأبرص (وهو المرض الذي يصيب الجلد فيجعل لونه أبيضا)، فيسمح على جسمه فيعود سليما. يخبرهم بما يخبئون في بيوتهم، وما أعدّت لهم زوجاتهم من طعام. وكان –عليه السلام- يحيي الموتى
إيمان الحواريون:
جاء عيسى ليخفف عن بني إسرائيل بإباحة بعض الأمور التي حرمتها التوراة عليهم عقابا لهم. إلا أن بني إسرائيل –مع كل هذه الآيات- كفروا. قال تعالى: فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ اللّهِ آمَنَّا بِاللّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (52) رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنزَلَتْ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (53) (آل عمران) وقال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونوا أَنصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ اللَّهِ فَآَمَنَت طَّائِفَةٌ مِّن بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَت طَّائِفَةٌ فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آَمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ (14) (الصف) قيل أن عدد الحواريين كان سبعة عشر رجلا، لكن الروايات الأرجح أنهم كانوا اثني عشر رجلا. آمن الحواريون، لكن التردد لا يزال موجودا في نفوسهم. قال الله تعالى قصة هذا التردد: إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَن يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَآئِدَةً مِّنَ السَّمَاء قَالَ اتَّقُواْ اللّهَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ (112) قَالُواْ نُرِيدُ أَن نَّأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَن قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ (113) قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنزِلْ عَلَيْنَا مَآئِدَةً مِّنَ السَّمَاء تَكُونُ لَنَا عِيداً لِّأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِّنكَ وَارْزُقْنَا وَأَنتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (114) قَالَ اللّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لاَّ أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِّنَ الْعَالَمِينَ (115) (المائدة) استجاب الله عز وجل، لكنه حذّرهم من الكفر بعد هذه الآية التي جاءت تلبية لطلبهم. نزلت المائدة، وأكل الحواريون منها، وظلوا على إيمانهم وتصديقهم لعيسى –عليه السلام- إلا رجل واحد كفر بعد رفع عيسى عليه السلام.
رفع عيسى عليه السلام
لما بدأ الناس يتحدثون عن معجزات عيسى عليه السلام، خاف رهبان اليهود أن يتبع الناس الدين الجديد فيضيع سلطانهم. فذهبوا لمَلك تلك المناطق وكان تابعا للروم. وقالوا له أن عيسى يزعم أنه مَلك اليهود، وسيأخذ المُلك منك. فخاف المَلك وأمر بالبحث عن عيسى –عليه السلام- ليقتله. جاءت روايات كثيرة جدا عن رفع عيسى –عليه السلام- إلى السماء، معظمها من الإسرائيليات أو نقلا عن الإنجيل. وسنشير إلى أرجح رواية هنا. عندما بلغ عيسى عليه السلام أنهم يريدون قتله، خرج على أصحابه وسألهم من منهم مستعد أن يلقي الله عليه شبهه فيصلب بدلا منه ويكون معه في الجنة. فقام شاب، فحنّ عليه عيسى عليه السلام لأنه لا يزال شابا. فسألهم مرة ثانية، فقام نفس الشاب. فنزل عليه شبه عيسى عليه السلام، ورفع الله عيسى أمام أعين الحواريين إلى السماء. وجاء اليهود وأخذوا الشبه وقتلوه ثم صلبوه. ثم أمسك اليهود الحواريين فكفر واحد منهم. ثم أطلقوهم خشية أن يغضب الناس. فظل الحواريون يدعون بالسر. وظل النصارى على التوحيد أكثر من مئتين سنة. ثم آمن أحد ملوك الروم واسمه قسطنطين، وأدخل الشركيات في دين النصارى. يقول ابن عباس: افترق النصارى ثلاث فرق. فقالت طائفة: كان الله فينا ما شاء ثم صعد إلى السماء. وقالت طائفة: كان فينا ابن الله ما شاء ثم رفعه الله إليه. وقلت طائفة: كان فينا عبد الله ورسوله ما شاء ثم رفعه الله إليه. فتظاهرت الكافرتان على المسلمة فقتلوها فلم يزل الإسلام طامسا حتى بعث الله محمدا –صلى الله عليه وسلم- فذلك قول الله تعالى: (فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آَمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ). وقال تعالى عن رفعه: وَقَولِهِم إِنا قَتَلنَا المَسِيحَ عِيسَى ابنَ مَريَمَ رَسُولَ اللهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَـكِن شُبهَ لَهُم وَإِن الذِينَ اختَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَك منهُ مَا لَهُم بِهِ مِن عِلمٍ إِلا اتبَاعَ الظن وَمَا قَتَلُوهُ يَقِيناً (157) بَل رفَعَهُ اللهُ إِلَيهِ وَكَانَ اللهُ عَزِيزاً حَكِيماً (158) وَإِن من أَهلِ الكِتَابِ إِلا لَيُؤمِنَن بِهِ قَبلَ مَوتِهِ وَيَومَ القِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيهِم شَهِيداً (159) (النساء) لا يزال عيسى –عليه السلام- حيا. ويدل على ذلك أحاديث صحيحة كثيرة. والحديث الجامع لها في مسند الإمام أحمد: حدثنا عبد الله، حدثني أبي، ثنا يحيى، عن ابن أبي عروبة قال: ثنا قتادة، عن عبد الرحمن بن آدم، عن أبي هريرة،: (عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: الأنبياء إخوة لعلات، دينهم واحد وأمهاتهم شتى، وأنا أولى الناس بعيسى ابن مريم لأنه لم يكن بيني وبينه نبي، وأنه نازل فإذا رأيتموه فاعرفوه، فإنه رجل مربوع إلى الحمرة والبياض، سبط كأن رأسه يقطر وإن لم يصبه بلل بين ممصرتين، فيكسر الصليب ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، و يعطل الملل حتى يهلك الله في زمانه الملل كلها غير الإسلام، ويهلك الله في زمانه المسيح الدجال الكذاب، وتقع الأمنة في الأرض حتى ترتع الإبل مع الأسد جميعاً، والنمور مع البقر، والذئاب مع الغنم، ويلعب الصبيان بالحيات لا يضر بعضهم بعضاً، فيمكث ما شاء الله أن يمكث ثم يتوفى، فيصلي عليه المسلمون و يدفنونه.) (مربوع) ليس بالطويل وليس بالقصير، (إلى الحمرة والبياض) وجهه أبيض فيه احمرار، (سبط) شعره ناعم، (ممصرتين) عصاتين أو منارتين وفي الحديث الآخر ينزل عند المنارة البيضاء من مسجد دمشق. وفي الحديث الصحيح الآخر يحدد لنا رسولنا الكريم مدة مكوثه في الأرض فيقول: (فيمكث أربعين سنة ثم يتوفى، و يصلي عليه المسلمون). لا بد أن يذوق الإنسان الموت. عيسى لم يمت وإنما رفع إلى السماء، لذلك سيذوق الموت في نهاية الزمان. ويخبرنا المولى عز وجل بحوار لم يقع بعد، هو حواره مع عيسى عليه السلام يوم القيامة فيقول: وَإِذ قَالَ اللهُ يا عِيسَى ابنَ مَريَمَ أَءنتَ قُلتَ لِلناسِ اتخِذُونِي وَأُميَ إِلَـهَينِ مِن دُونِ اللهِ قَالَ سُبحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَن أَقُولَ مَا لَيسَ لِي بِحَق إِن كُنتُ قُلتُهُ فَقَد عَلِمتَهُ تَعلَمُ مَا فِى نَفسِي وَلاَ أَعلَمُ مَا فِى نَفسِكَ إِنكَ أَنتَ عَلامُ الغُيُوبِ (116) مَا قُلتُ لَهُم إِلا مَا أَمَرتَنِي بِهِ أَنِ اعبُدُوا اللهَ رَبي وَرَبكُم وَكُنتُ عَلَيهِم شَهِيداً ما دُمتُ فِيهِم فَلَما تَوَفيتَنِي كُنتَ أَنتَ الرقِيبَ عَلَيهِم وَأَنتَ عَلَى كُل شَىء شَهِيدٌ (117) إِن تُعَذبهُم فَإِنهُم عِبَادُكَ وَإِن تَغفِر لَهُم فَإِنكَ أَنتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ (118) (المائدة) هذا هو عيسى بن مريم عليه السلام، آخر الرسل قبل سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم.
حوادث مرت عقيب رفع عيسى عليه السلام
فمنها افتراق العقائد : عن محمد بن كعب القرظي ، قال: لما رفع عيسى عليه السلام اجتمع من علماء بني إسرائيل مائة رجل ، فقال بعضهم لبعض: أنتم كثير ونتخوف الفرقة ، ليخرج بعضكم . فأخرجوا عشرة عشرة حتى بقت عشرة ، فقالوا: أنتم كثير ، أخرجوا بعضكم ، فأخرجوا ستة وبقي أربعة ، إليهم ينتهي علم بني إسرائيل ، فقال بعضهم لبعض: ما تقولون في عيسى ؟ فقال رجل منهم: أتعلمون أن أحدا يحيى الموتى إلا الله ؟ قالوا: لا . قال: أتعلمون أن أحدا يعلم الغيب إلا الله ؟ قالوا: لا ، قال: أتعلمون أن أحدا يبرئ الأكمه والأبرص إلا الله ؟ قالوا: لا . قال: فإنه هو الله كان في الأرض ما بدا له ، ثم صعد إلى السماء حين بدا له . فقال الآخر: أنا لا أقول كما [ قلت ، قد عرفنا عيسى وعرفنا أمه ، بل هو ولده . فقال الآخر: لا أقول كما ] قلتما ، ولكن جاءت به أمه من عمل غير صالح . فقال الآخر: لا أقول كما تقولون ، قد كان عيسى يخبركم أنه عبد الله وروح الله وكلمته ألقاها إلى مريم فقولوا كما قال لنفسه . فتفرقوا فخرج رجل منهم فسألوه: ما قلت ؟ قال: قلت هو الله ، فاتبعه عنق من الناس . ثم قالوا للآخر: ما قلت ؟ قال: قلت هو ولده ، فاتبعه عنق من الناس ، ثم خرج الثالث فقالوا: ما قلت ؟ قال: قلت جاءت به أمه من عمل غير صالح ، [ فاتبعه عنق من الناس ] ثم خرج الآخر ، فقالوا: ما قلت ؟ قال: قلت هو عبد الله وروح الله ورسوله ، وكلمته ألقاها إلى مريم ، فاتبعه عنق من الناس . وعن قتادة قال: ذكر لنا أنه لما رفع عيسى عليه السلام انتخب أربعة من فقهائهم فقالوا للأول: ما تقول في عيسى ؟ قال: هو الله [ هبط إلى الأرض فخلق ما خلق وأحيا ما أحيا ] ثم صعد إلى السماء . فاتبعه على ذلك ناس ، فكانت اليعقوبية من النصارى . فقالت الثلاثة الأخر: نشهد أنك كاذب ، فقالوا للثاني: ما تقول في عيسى ؟ فقال: هو ابن الله . وتابعه على ذلك ناس ، فكانت النسطورية من النصارى . فقال الاثنان الآخران: نشهد أنك كاذب ، فقالوا للثالث: ما تقول في عيسى ؟ فقال: هو إله ، وأمه إله ، والله إله ، فبايعه على ذلك ناس . فكانت الإسرائيلية من النصارى الذي يقال دين الملك . فقال الرابع: أشهد أنك كاذب ، ولكنه عبد الله ورسوله ، وكلمته ألقاها إلى مريم ، وروحه . فاختصم القوم ، فقال المرء المسلم: أنشدكم الله ، أتعلمون أن عيسى كان يطعم الطعام ؟ قالوا: نعم . قال: وهل تعلمون أن الله لا يطعم الطعام ؟ قالوا: اللهم نعم ، قال: فأنشدكم الله ، أتعلمون أن عيسى كان ينام ؟ قالوا: نعم ، قال: فهل تعلمون أن الله عز وجل لا ينام ؟ قالوا: نعم . قال: فخصمهم . ومن الأحداث بعد رفع عيسى ابن مريم عليهما السلام وفاة مريم عليها السلام : فإنها بقيت بعد رفعه ست سنين ، وكان جميع عمرها نيفا وخمسين سنة . حرب الحواريين بعد رفع عيسى عليه السلام قال ابن إسحاق : لما قصدت اليهود عيسى عليه السلام فصلبوا الذي شبه به ، عدوا على الحواريين فشمسوهم وعذبوهم وطافوا بهم ، فسمع بذلك ملك الروم - وكانوا تحت يده ، وكان صاحب وثن - فقيل له: إن رجلا كان في هؤلاء الناس الذين تحت يديك من بني إسرائيل عدوا عليه فقتلوه ، وكان يخبرهم أنه رسول الله ، قد أراهم العجائب ، وأحيا لهم الموتى ، وأبرأ لهم الأسقام ، وأخبرهم بالغيوب . قال: ويحكم ، فما منعكم أن تذكروا هذا لي ، فوالله لو علمت فما خليت بينهم وبينه . ثم بعث فانتزع الحواريين من أيديهم ، وسألهم عن دين عيسى وأمره ، فأخبروه خبره ، فبايعهم على دينهم ، وأخذ الخشبة التي صلب عليها فأكرمها وصانها لما مسها منه . وقتل في بني إسرائيل قتلى كثيرة ، فمن هنالك كان أصل النصرانية في الروم . قال وهب بن منبه : اجتمع الحواريون بعد رفع عيسى ، فقالوا: نريد أن نخرج دعاة في الأرض ، وكان ممن توجه إلى الروم : نسطور ، وصاحبان له . فأما نسطور فحبسته حاجة ، فقال لصاحبيه: أرفقا ولا تحرقا ولا تستبطئاني . فلما قدما الكورة ، إذا قوم في يوم عيدهم ، وقد برز ملكهم وأهل مملكته ، فأتاه الرجلان فقاما بين يديه فقالا له: اتق الله ، فإنكم تعملون بالمعاصي وتنتهكون حرم الله . فغضب الملك وهم بقتلهما ، فقام إليه نفر من أهل مملكته ، فقالوا: إن هذا يوم لا تهريق فيه دماء ، وقد ظفرت بصاحبيك ، فإن أحببت أن تحبسهما حتى يمضي عيدنا ثم ترى فيهما رأيك فعلت . فأمر بحبسهما ، ثم ضرب على أذنه بالنسيان لهما حتى قدم نسطور ، فسأل عنهما فأخبر بشأنهما وأنهما محبوسان في السجن ، فدخل عليهما ، فقال: ألم أقل لكما أرفقا ، ولا تحرقا ، ولا تستبطئاني ، فهل تدريان ما مثلكما ؟ [ مثلكما ] مثل امرأة لم تصب واحدا حتى دخلت في السن ، فأصابت بعد ما دخلت في السن ولدا ، فأحبت أن يعجل شبابه حتى يكبر ، فحملت على معدته ما لا يطيق فقتلته . ثم قال لهما: والآن فلا تستبطئاني حتى آتي إلى باب الملك . فأتاه وقد جلس للناس ، وكانوا إذا ابتلوا بحرام وبحلال رفعوه إلى الملك ، فنظر فيه ثم سأل عنه ما يليه ، وسأل الناس بعضهم بعضا حتى ينتهي إلى أقصى المجلس . فجلس نسطور في أقصى المجلس ، فلما ردوا على الملك جواب من أجابه ، وردوا عليه جواب نسطور ، فسمع بشيء عليه نور ، [ وحلا ] في مسامعه ، فقال: من صاحب هذا القول ؟ قالوا: الرجل الذي في أقصى المجلس ، قال: علي به . فلما جاءه قال: أنت القائل كذا ؟ قال: نعم ، قال: فما تقول في كذا وكذا ؟ فجعل لا يسأله عن شيء إلا فسره له ، فقال له الملك: عندك هذا العلم وأنت تجلس في آخر القوم ؟ ضعوا له عند سريري مجلسا . ثم قال له: إن أتاك ابني فلا تقم له . ثم أقبل على نسطور وترك الناس ، فلما عرف أن منزلته قد ثبتت ، قال: لأروزنه . فقال: أيها الملك ، أنا رجل بعيد الدار ، فإن أحببت أن تقضي حاجتك مني فأذن لي فأنصرف إلى أهلي ، فقال: يا نسطور ، ما إلى ذلك سبيل ، فإن أردت أن تحمل أهلك إلينا فلك المواساة ، وإن [ أحببت أن ] تأخذ من بيت المال حاجتك فتبعث به إلى أهلك فعلت . فسكت نسطور . ثم تخير يوما مات لهم فيه ميت ، فقال: أيها الملك ، بلغني أن رجلين أتياك يعيبان عليك دينك . قال: فذكرهما ، فأرسل إليهما ، فقال: يا نسطور ، أنت حكم بيني وبينهما ، ما قلت من شيء رضيت به ، قال: نعم ، أيها الملك ، هذا ميت قد مات في بني إسرائيل ، فمرهما يدعوان ربهما فيحييه لهما ، ففي ذلك آية بينة . قال: فأتي بالميت فوضع عنده ، وقاما وتوضئا ودعوا ربهما ، فرد عليه روحه وتكلم ، فقال: أيها الملك [ إن ] في هذا لآية بينة ، ولكن مرهما بغير ذلك ، اجمع أهل مملكتك ، ثم قل لآلهتك ، فإن كنت تقدر على أن تضر بهما فليس أمرهما بشيء ، وإن كانا يقدران على أن يضرا آلهتك فأمرهما قوي . فجمع الملك أهل مملكته ، ودخل البهو الذي فيه الآلهة ، فخر ساجدا هو ومن معه من أهل مملكته ، وخر نسطور ساجدا ، وقال: اللهم إني أسجد لك وأكيد هذه الآلهة أن تعبد من دونك ، ثم رفع الملك رأسه وقال: إن هذين يريدان أن يبدلا دينكم ، ويدعوا إلى إله غيركم ، فافقئوا أعينهم ، أو جدعوهما . فلم ترد عليه الآلهة شيئا ، فقام نسطور وأمر صاحبيه أن يحملا معهما فأسا ، فقال: أيها الملك ، قل لهذين: أتقدران على أن تضرا آلهتي . [ فقال لهما: أتقدران على أن تضرا آلهتنا ؟ ] قالا: خل بيننا وبينهم . ففعل ، فأقبلا عليها فكسراها ، فقال نسطور : أما أنا فقد آمنت برب هذين . وقال الملك: وأنا فقد آمنت برب هذين . وقال جميع الناس: آمنا برب هذين ، فقال نسطور لصاحبيه: هكذا الرفق .
حقيقة عيسى علية السلام وانه عبد الله ورسولة
لما ذكر تعالى قصته على الجلية ، وبين أمره ووضحه وشرحه ، قال : ذلك عيسى ابن مريم قول الحق الذي فيه يمترون ما كان لله أن يتخذ من ولد سبحانه إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون كما قال تعالى بعد ذكر قصته ، وما كان من أمره في آل عمران : ذلك نتلوه عليك من الآيات والذكر الحكيم إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون الحق من ربك فلا تكن من الممترين فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين إن هذا لهو القصص الحق وما من إله إلا الله وإن الله لهو العزيز الحكيم فإن تولوا فإن الله عليم بالمفسدين [ آل عمران : 58 - 63 ] . ولهذا لما قدم وفد نجران وكانوا ستين راكبا ، يرجع أمرهم إلى أربعة عشر منهم ، ويؤول أمر الجميع إلى ثلاثة ، هم أشرافهم وساداتهم ، وهم : العاقب ، والسيد ، وأبو حارثة بن علقمة ، فجعلوا يناظرون في أمر المسيح ، فأنزل الله صدر سورة " آل عمران " في ذلك ، وبين أمر المسيح وابتداء خلقه وخلق أمه من قبله ، وأمر رسوله بأن يباهلهم إن لم يستجيبوا له ويتبعوه ، فلما رأوا عينيها وأذنيها نكصوا ، وامتنعوا عن المباهلة ، وعدلوا إلى المسالمة والموادعة ، وقال قائلهم ، وهو العاقب عبد المسيح : يا معشر النصارى ، لقد علمتم أن محمدا لنبي مرسل ، ولقد جاءكم بالفصل من خبر صاحبكم ، ولقد علمتم أنه ما لاعن قوم نبيا قط ، فبقي كبيرهم ولا نبت صغيرهم ، وإنها للاستئصال منكم إن فعلتم ، فإن كنتم قد أبيتم إلا إلف دينكم والإقامة على ما أنتم عليه من القول في صاحبكم ، فوادعوا الرجل وانصرفوا إلى بلادكم . فطلبوا ذلك من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وسألوه أن يضرب عليهم جزية ، وأن يبعث معهم رجلا أمينا ، فبعث معهم أبا عبيدة بن الجراح . والمقصود أن الله تعالى لما بين أمر المسيح ، قال لرسوله : ذلك عيسى ابن مريم قول الحق الذي فيه يمترون يعني من أنه عبد مخلوق من امرأة من عباد الله ، ولهذا قال : ما كان لله أن يتخذ من ولد سبحانه إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون أي لا يعجزه شيء ولا يكرثه ولا يؤوده ، بل هو القدير الفعال لما يشاء . إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون [ يس : 82 ] . وقوله : واذكر في الكتاب موسى إنه كان مخلصا وكان رسولا نبيا هو من تمام كلام عيسى لهم في المهد ، أخبرهم أن الله ربه وربهم وإلهه وإلههم ، وأن هذا هو الصراط المستقيم . قال الله تعالى : فاختلف الأحزاب من بينهم فويل للذين كفروا من مشهد يوم عظيم أي : فاختلف أهل ذلك الزمان ، ومن بعدهم فيه ، فمن قائل من اليهود : إنه ولد زنية . واستمروا على كفرهم وعنادهم ، وقابلهم آخرون في الكفر فقالوا : هو الله . وقال آخرون : هو ابن الله . وقال المؤمنون : هو عبد الله ورسوله ، وابن أمته ، وكلمته ألقاها إلى مريم ، وروح منه . وهؤلاء هم الناجون المثابون ، المؤيدون المنصورون ، ومن خالفهم في شيء من هذه القيود ، فهم الكافرون الظالمون ، الضالون الجاهلون ، وقد توعدهم العلي العظيم الحكيم العليم ، بقوله : فويل للذين كفروا من مشهد يوم عظيم . . عن عبادة بن الصامت ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : من شهد أن لا إله إلا الله ، وحده لا شريك له ، وأن محمدا عبده ورسوله ، وأن عيسى عبد الله ورسوله ، وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه ، والجنة حق ، والنار حق - أدخله الله الجنة على ما كان من العمل وعن جنادة ، وزاد : من أبواب الجنة الثمانية أيها شاء .
بيان أن الله تعالى منزه عن الولد
قال تعالى في آخر هذه السورة : وقالوا اتخذ الرحمن ولدا لقد جئتم شيئا إدا أي شيئا عظيما ، ومنكرا من القول وزورا . تكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا أن دعوا للرحمن ولدا وما ينبغي للرحمن أن يتخذ ولدا إن كل من في السماوات والأرض إلا آتي الرحمن عبدا لقد أحصاهم وعدهم عدا وكلهم آتيه يوم القيامة فردا فبين أنه تعالى لا ينبغي له الولد ; لأنه خالق كل شيء ومالكه ، وكل شيء فقير إليه ، خاضع ذليل لديه ، وجميع سكان السماوات والأرض عبيده ، وهو ربهم لا إله إلا هو ، ولا رب سواه ، كما قال تعالى : وجعلوا لله شركاء الجن وخلقهم وخرقوا له بنين وبنات بغير علم سبحانه وتعالى عما يصفون بديع السماوات والأرض أنى يكون له ولد ولم تكن له صاحبة وخلق كل شيء وهو بكل شيء عليم ذلكم الله ربكم لا إله إلا هو خالق كل شيء فاعبدوه وهو على كل شيء وكيل لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير [ الأنعام : 100 - 103 ] . فبين أنه خالق كل شيء ، فكيف يكون له ولد ، والولد لا يكون إلا بين شيئين متناسبين! والله تعالى لا نظير له ، ولا شبيه له ، ولا عديل له ، ولا صاحبة له ، فلا يكون له ولد ، كما قال تعالى : قل هو الله أحد الله الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد [ الإخلاص : 1 - 4 ] . فتقرر أنه " الأحد " الذي لا نظير له في ذاته ، ولا في صفاته ، ولا في أفعاله الصمد وهو السيد الذي كمل في علمه وحكمته ورحمته ، وجميع صفاته . لم يلد أي : لم يوجد منه ولد . ولم يولد أي : ولم يتولد عن شيء قبله . ولم يكن له كفوا أحد أي : وليس له عدل ولا مكافئ ولا مساو ، فقطع النظير المداني والأعلى والمساوي ; فانتفى أن يكون له ولد ، إذ لا يكون الولد إلا متولدا بين شيئين متعادلين أو متقاربين ، وتعالى الله عن ذلك علوا كبيرا . وقال تبارك وتعالى وتقدس : يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه فآمنوا بالله ورسله ولا تقولوا ثلاثة انتهوا خيرا لكم إنما الله إله واحد سبحانه أن يكون له ولد له ما في السماوات وما في الأرض وكفى بالله وكيلا لن يستنكف المسيح أن يكون عبدا لله ولا الملائكة المقربون ومن يستنكف عن عبادته ويستكبر فسيحشرهم إليه جميعا فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فيوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله وأما الذين استنكفوا واستكبروا فيعذبهم عذابا أليما ولا يجدون لهم من دون الله وليا ولا نصيرا [ النساء : 171 - 173 ] . ينهى تعالى أهل الكتاب ومن شابههم ، عن الغلو والإطراء في الدين ، وهو مجاوزة الحد ; فالنصارى - لعنهم الله - غلوا وأطروا المسيح حتى جاوزوا الحد ، فكان الواجب عليهم أن يعتقدوا أنه عبد الله ورسوله ، وابن أمته العذراء البتول ، التي أحصنت فرجها ، فبعث الله الملك جبريل إليها ، فنفخ فيها عن أمر الله نفخة حملت منها بولدها عيسى عليه السلام ، والذي اتصل بها من الملك هي الروح المضافة إلى الله إضافة تشريف وتكريم ، وهي مخلوقة من مخلوقات الله تعالى ، كما يقال : بيت الله ، وناقة الله ، وعبد الله ، وكذا : روح الله ، أضيفت إليه تشريفا لها وتكريما ، وسمي عيسى بها ; لأنه كان بها من غير أب ، وهي الكلمة أيضا التي عنها خلق ، وبسببها وجد ، كما قال تعالى : إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون [ آل عمران : 59 ] . وقال تعالى : وقالوا اتخذ الله ولدا سبحانه بل له ما في السماوات والأرض كل له قانتون بديع السماوات والأرض وإذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون [ البقرة : 116 ، 117 ] . وقال تعالى : وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله ذلك قولهم بأفواههم يضاهئون قول الذين كفروا من قبل قاتلهم الله أنى يؤفكون [ التوبة : 30 ] . فأخبر تعالى أن اليهود والنصارى ، عليهم لعائن الله ، كل من الفريقين ادعوا على الله شططا ، وزعموا أن له ولدا ، تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا ، وأخبر أنهم ليس لهم مستند فيما زعموه ، ولا فيما ائتفكوه ، إلا مجرد القول ومشابهة من سبقهم إلى هذه المقالة الضالة ، تشابهت قلوبهم ، وذلك أن الفلاسفة - عليهم لعنة الله - زعموا أن العقل الأول صدر عن واجب الوجود ، الذي يعبرون عنه بعلة العلل ، والمبدأ الأول ، وأنه صدر عن العقل الأول عقل ثان ، ونفس وفلك ، ثم صدر عن الثاني كذلك ، حتى تناهت العقول إلى عشرة ، والنفوس إلى تسعة ، والأفلاك إلى تسعة ، باعتبارات فاسدة ذكروها ، واختيارات باردة أوردوها ، ولبسط الكلام معهم ، وبيان جهلهم وقلة عقلهم ، موضع آخر . وهكذا طوائف من مشركي العرب ; زعموا لجهلهم أن الملائكة بنات الله ، وأنه صاهر سروات الجن فتولد منهما الملائكة ، تعالى الله عما يقولون ، وتنزه عما يشركون كما قال تعالى : وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثا أشهدوا خلقهم ستكتب شهادتهم ويسألون [ الزخرف : 19 ] . وقال تعالى : فاستفتهم ألربك البنات ولهم البنون أم خلقنا الملائكة إناثا وهم شاهدون ألا إنهم من إفكهم ليقولون ولد الله وإنهم لكاذبون أصطفى البنات على البنين ما لكم كيف تحكمون أفلا تذكرون أم لكم سلطان مبين فأتوا بكتابكم إن كنتم صادقين وجعلوا بينه وبين الجنة نسبا ولقد علمت الجنة إنهم لمحضرون سبحان الله عما يصفون إلا عباد الله المخلصين [ الصافات : 149 - 160 ] . وقال تعالى : وقالوا اتخذ الرحمن ولدا سبحانه بل عباد مكرمون لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يشفعون إلا لمن ارتضى وهم من خشيته مشفقون ومن يقل منهم إني إله من دونه فذلك نجزيه جهنم كذلك نجزي الظالمين [ الأنبياء : 26 - 29 ] . وقال تعالى في أول سورة " الكهف " ، وهي مكية : الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا قيما لينذر بأسا شديدا من لدنه ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجرا حسنا ماكثين فيه أبدا وينذر الذين قالوا اتخذ الله ولدا ما لهم به من علم ولا لآبائهم كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذبا [ الكهف : 1 - 5 ] . وقال تعالى : قالوا اتخذ الله ولدا سبحانه هو الغني له ما في السماوات وما في الأرض إن عندكم من سلطان بهذا أتقولون على الله ما لا تعلمون قل إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون متاع في الدنيا ثم إلينا مرجعهم ثم نذيقهم العذاب الشديد بما كانوا يكفرون [ يونس : 68 - 70 ] . فهذه الآيات المكيات الكريمات تشمل الرد على سائر فرق الكفرة ; من الفلاسفة ومشركي العرب واليهود والنصارى ، الذين ادعوا وزعموا بلا علم ، أن لله ولدا ، سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون المعتدون علوا كبيرا . ولما كانت النصارى ، عليهم لعائن الله المتتابعة إلى يوم القيامة ، من أشهر من قال بهذه المقالة ، ذكروا في القرآن كثيرا ; للرد عليهم وبيان تناقضهم ، وقلة علمهم ، وكثرة جهلهم ، وقد تنوعت أقوالهم في كفرهم ; وذلك أن الباطل كثير التشعب والاختلاف والتناقض ، وأما الحق فلا يختلف ولا يضطرب ، قال الله تعالى : ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا [ النساء : 82 ] . فدل على أن الحق يتحد ويتفق ، والباطل يختلف ويضطرب . فطائفة من ضلالهم وجهالهم زعموا أن المسيح هو الله . تعالى الله ، وطائفة قالوا : هو ابن الله ، عز الله . وطائفة قالوا : هو ثالث ثلاثة . جل الله . قال الله تعالى في أول سورة " المائدة " : لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم قل فمن يملك من الله شيئا إن أراد أن يهلك المسيح ابن مريم وأمه ومن في الأرض جميعا ولله ملك السماوات والأرض وما بينهما يخلق ما يشاء والله على كل شيء قدير [ المائدة : 17 ] . فأخبر تعالى عن كفرهم وجهلهم ، وبين أنه الخالق القادر على كل شيء ، المتصرف في كل شيء وأنه رب كل شيء ومليكه وإلهه . وقال في أواخرها : لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم وقال المسيح يا بني إسرائيل اعبدوا الله ربي وربكم إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار وما للظالمين من أنصار لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة وما من إله إلا إله واحد وإن لم ينتهوا عما يقولون ليمسن الذين كفروا منهم عذاب أليم أفلا يتوبون إلى الله ويستغفرونه والله غفور رحيم ما المسيح ابن مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرسل وأمه صديقة كانا يأكلان الطعام انظر كيف نبين لهم الآيات ثم انظر أنى يؤفكون [ المائدة : 72 - 75 ] . حكم تعالى بكفرهم شرعا وقدرا ، وأخبر أن هذا صدر منهم ، مع أن الرسول إليهم ، وهو عيسى ابن مريم ، قد بين لهم أنه عبد مربوب مخلوق ، مصور في الرحم ، داع إلى عبادة الله وحده لا شريك له ، وتوعدهم على خلاف ذلك بالنار ، وعدم الفوز بدار القرار ، والخزي في الدار الآخرة ، والهوان والعار ، ولهذا قال : إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار وما للظالمين من أنصار القول بالأقانيم الثلاثة الأب والابن والكلمة ثم قال : لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة وما من إله إلا إله واحد قال ابن جرير وغيره : المراد بذلك قولهم بالأقانيم الثلاثة : أقنوم الأب ، وأقنوم الابن ، وأقنوم الكلمة المنبثقة من الأب إلى الابن ، على اختلافهم في ذلك ما بين الملكية واليعقوبية والنسطورية ، عليهم لعائن الله ، كما سنبين كيفية اختلافهم في ذلك ، ومجامعهم الثلاثة في زمن قسطنطين بن قسطس ، وذلك بعد المسيح بثلاثمائة سنة ، وقبل البعثة المحمدية بثلاثمائة سنة ، ولهذا قال تعالى : وما من إله إلا إله واحد أي : وما من إله إلا الله وحده لا شريك له ، ولا نظير له ، ولا كفء له ، ولا صاحبة له ولا ولد ، ثم توعدهم وتهددهم فقال : وإن لم ينتهوا عما يقولون ليمسن الذين كفروا منهم عذاب أليم ثم دعاهم برحمته ولطفه إلى التوبة والاستغفار من هذه الأمور الكبار ، والعظائم التي توجب النار ، فقال : أفلا يتوبون إلى الله ويستغفرونه والله غفور رحيم حال المسيح وأمه وأنه عبد رسول وأمه صديقة ثم بين حال المسيح وأمه ، وأنه عبد رسول ، وأمه صديقة ، أي ليست بفاجرة ، كما يقوله اليهود ، لعنهم الله . وفيه دليل على أنها ليست بنبية ، كما زعمه طائفة من علمائنا . وقوله : كانا يأكلان الطعام كناية عن خروجه منهما ، كما يخرج من غيرهما ، أي : ومن كان بهذه المثابة ، كيف يكون إلها ؟! تعالى الله عن قولهم وجهلهم علوا كبيرا . وقال السدي وغيره : المراد بقوله : لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة زعمهم في عيسى وأمه أنهما إلهان مع الله ; يعني كما بين تعالى كفرهم في ذلك بقوله في آخر هذه السورة الكريمة : وإذ قال الله يا عيسى ابن مريم ءأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله قال سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق إن كنت قلته فقد علمته تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك إنك أنت علام الغيوب ما قلت لهم إلا ما أمرتني به أن اعبدوا الله ربي وربكم وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم وأنت على كل شيء شهيد إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم [ المائدة : 116 - 118 ] . يخبر تعالى أنه يسأل عيسى ابن مريم يوم القيامة ، على سبيل الإكرام له والتقريع والتوبيخ لعابديه ، ممن كذب عليه وافترى وزعم أنه ابن الله ، أو أنه الله ، أو أنه شريكه ، تعالى الله عما يقولون ، فيسأله وهو يعلم أنه لم يقع منه ما يسأله عنه ، ولكن لتوبيخ من كذب عليه ، فيقول له : ءأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله قال سبحانك أي : تعاليت أن يكون معك شريك . ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق أي : ليس هذا يستحقه أحد سواك . إن كنت قلته فقد علمته تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك إنك أنت علام الغيوب وهذا تأدب عظيم في الخطاب والجواب . ما قلت لهم إلا ما أمرتني به حين أرسلتني إليهم ، وأنزلت علي الكتاب الذي كان يتلى عليهم ، ثم فسر ما قال لهم بقوله : أن اعبدوا الله ربي وربكم أي خالقي وخالقكم ، ورازقي ورازقكم . وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم فلما توفيتني أي : رفعتني إليك حين أرادوا قتلي وصلبي ، فرحمتني وخلصتني منهم ، وألقيت شبهي على أحدهم ، حتى انتقموا منه ، فلما كان ذلك . كنت أنت الرقيب عليهم وأنت على كل شيء شهيد ثم قال على وجه التفويض إلى الرب ، عز وجل ، والتبري من أهل النصرانية : إن تعذبهم فإنهم عبادك أي : وهم يستحقون ذلك . وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم ، وهذا التفويض والإسناد إلى المشيئة بالشرط ، لا يقتضي وقوع ذلك ، ولهذا قال : فإنك أنت العزيز الحكيم ولم يقل : الغفور الرحيم . وقد ذكرنا في " التفسير " ما رواه الإمام أحمد ، عن أبي ذر ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قام بهذه الآية الكريمة ليلة حتى أصبح : إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم وقال : إني سألت ربي عز وجل الشفاعة لأمتي فأعطانيها ، وهي نائلة ، إن شاء الله ، لمن لا يشرك بالله شيئا وقال تعالى : وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما لاعبين لو أردنا أن نتخذ لهوا لاتخذناه من لدنا إن كنا فاعلين بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق ولكم الويل مما تصفون وله من في السماوات والأرض ومن عنده لا يستكبرون عن عبادته ولا يستحسرون يسبحون الليل والنهار لا يفترون [ الأنبياء : 16 - 20 ] . وقال تعالى : لو أراد الله أن يتخذ ولدا لاصطفى مما يخلق ما يشاء سبحانه هو الله الواحد القهار خلق السماوات والأرض بالحق يكور الليل على النهار ويكور النهار على الليل وسخر الشمس والقمر كل يجري لأجل مسمى ألا هو العزيز الغفار [ الزمر : 4 ، 5 ] . وقال تعالى : قل إن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين سبحان رب السماوات والأرض رب العرش عما يصفون [ الزخرف : 81 ، 82 ] . وقال تعالى : وقل الحمد لله الذي لم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك ولم يكن له ولي من الذل وكبره تكبيرا [ الإسراء : 111 ] . وقال تعالى : قل هو الله أحد الله الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد . وثبت في " الصحيح " عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : يقول الله تعالى : شتمني ابن آدم ولم يكن له ذلك ; يزعم أن لي ولدا ، وأنا الأحد الصمد ، الذي لم ألد ولم أولد ، ولم يكن لي كفوا أحد وفي " الصحيح " أيضا ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أنه قال : لا أحد أصبر على أذى سمعه من الله ; إنهم يجعلون له ولدا ، وهو يرزقهم ويعافيهم ولكن ثبت في " الصحيح " أيضا ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أنه قال : إن الله ليملي للظالم ، حتى إذا أخذه لم يفلته ثم قرأ : وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة إن أخذه أليم شديد [ هود : 102 ] . وهكذا قوله تعالى : وكأين من قرية أمليت لها وهي ظالمة ثم أخذتها وإلي المصير [ الحج : 48 ] . وقال تعالى : نمتعهم قليلا ثم نضطرهم إلى عذاب غليظ [ لقمان : 24 ] . وقال تعالى : قل إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون متاع في الدنيا ثم إلينا مرجعهم ثم نذيقهم العذاب الشديد بما كانوا يكفرون [ يونس : 69 ، 70 ] . وقال تعالى : فمهل الكافرين أمهلهم رويدا [ الطارق : 17 ] .
نزول الكتب الأربعة ومواقيتها
وعن معاوية بن صالح ، عمن حدثه قال : أنزلت التوراة على موسى في ست ليال خلون من شهر رمضان ، ونزل الزبور على داود في اثنتي عشر ليلة خلت من شهر رمضان ، وذلك بعد التوراة بأربعمائة سنة واثنتين وثمانين سنة ، وأنزل الإنجيل على عيسى ابن مريم في ثماني عشرة ليلة خلت من شهر رمضان ، بعد الزبور بألف عام وخمسين عاما ، وأنزل الفرقان على محمد صلى الله عليه وسلم ، في أربع وعشرين من شهر رمضان . وقد ذكرنا في " التفسير " عند قوله : شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن الأحاديث الواردة في ذلك ، وفيها أن الإنجيل أنزل على عيسى ابن مريم ، عليه السلام ، في ثماني عشرة ليلة خلت من شهر رمضان . وذكر ابن جرير في " تاريخه " أنه أنزل عليه وهو ابن ثلاثين سنة ، ومكث حتى رفع إلى السماء ، وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة . كما سيأتي بيانه ، إن شاء الله تعالى . وعن أبي هريرة قال : أوحى الله عز وجل إلى عيسى ابن مريم : يا عيسى جد في أمري ولا تهن ، واسمع وأطع يا ابن الطاهرة البكر البتول ، إنك من غير فحل وأنا خلقتك آية للعالمين ، إياي فاعبد وعلي فتوكل ، خذ الكتاب بقوة ، فسر لأهل السريانية ، بلغ من بين يديك أني أنا الحي القائم الذي لا أزول ، صدقوا النبي الأمي العربي ، صاحب الجمل والتاج - وهي العمامة - والمدرعة والنعلين والهراوة - وهي القضيب - الأنجل العينين ، الصلت الجبين ، الواضح الخدين ، الجعد الرأس ، الكث اللحية ، المقرون الحاجبين ، الأقنى الأنف ، المفلج الثنايا ، البادي العنفقة ، الذي كأن عنقه إبريق فضة ، وكأن الذهب يجري في تراقيه ، له شعرات من لبته إلى سرته تجري كالقضيب ، ليس على بطنه ولا على صدره شعر غيره ، شثن الكف والقدم ، إذا التفت التفت جميعا ، وإذا مشى كأنما يتقلع من صخر وينحدر من صبب ، عرقه في وجهه كاللؤلؤ ، وريح المسك ينفح منه ، لم ير قبله ولا بعده مثله ، الحسن القامة ، الطيب الريح ، نكاح النساء ، ذا النسل القليل ، إنما نسله من مباركة لها بيت - يعني في الجنة - من قصب ، لا نصب فيه ولا صخب ، تكفله - يا عيسى - في آخر الزمان كما كفل زكريا أمك ، له منها فرخان مستشهدان ، وله عندي منزلة ليست لأحد من البشر ، كلامه القرآن ، ودينه الإسلام ، وأنا السلام ، طوبى لمن أدرك زمانه ، وشهد أيامه ، وسمع كلامه .