قصة سيدنا يوشع بن نون عليه السلام مكتوبة
نبذة سريعة يوشع بن نون فتى موسى
هو يوشع بن نون بن أفراييم بن يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم الخليل عليهم السلام ، وأهل الكتاب يقولون : يوشع بن عم هود . وقد ذكره الله تعالى في القرآن غير مصرح باسمه في قصة الخضر ، كما تقدم في قوله : وإذ قال موسى لفتاه [ الكهف : 60 ] . فلما جاوزا قال لفتاه [ الكهف : 62 ] . وقدمنا ما ثبت في " الصحيح " ، من رواية أبي بن كعب ، رضي الله عنه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، من أنه يوشع بن نون ورد أنه الفتى الذي صاحب موسى للقاء الخضر. وهو النبي الذي أخرج الله على يديه بني إسرائي من صحراء سيناء، وحاربوا أهل فلسطين وانتصروا عليهم.
مختصر ما ورد عن يوشع بن نون
لم يخرج أحد من التيه ممن كان مع موسى. سوى اثنين. هما الرجلان اللذان أشارا على ملأ بني إسرائيل بدخول قرية الجبارين. ويقول المفسرون: إن أحدهما يوشع بن نون. وهذا هو فتى موسى في قصته مع الخضر. صار الآن نبيا من أنبياء بني إسرائيل، وقائدا لجيش يتجه نحو الأرض التي أمرهم الله بدخولها. خرج يوشع بن نون ببني إسرائيل من التيه، بعد أربعين سنة، وقصد بهم الأرض المقدسة. ,كانت هذه الأربعين سنة -كما يقول العلماء- كفيلة بأن يموت فيها جميع من خرج مع موسى عليه السلام من مصر، ويبقى جيل جديد تربى على أيادي موسى وهارون ويوشع بن نون، جيل يقيم الصلا ويؤتي الزكاة ويؤمن بالله ورسله. قطع بهم نهر الأردن إلى أريحا، وكانت من أحصن المدائن سورا وأعلاها قصورا وأكثرها أهلا. فحاصرها ستة أشهر. وروي في صحيح مسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (غزا نبي من الأنبياء فقال لقومه لا يتبعني رجل قد ملك بضع امرأة وهو يريد أن يبني بها ولما يبن ولا آخر قد بنى بنيانا ولما يرفع سقفها ولا آخر قد اشترى غنما أو خلفات وهو منتظر ولادها قال فغزا فأدنى للقرية حين صلاة العصر أو قريبا من ذلك فقال للشمس أنت مأمورة وأنا مأمور اللهم احبسها علي شيئا فحبست عليه حتى فتح الله عليه قال فجمعوا ما غنموا فأقبلت النار لتأكله فأبت أن تطعمه فقال فيكم غلول فليبايعني من كل قبيلة رجل فبايعوه فلصقت يد رجل بيده فقال فيكم الغلول فلتبايعني قبيلتك فبايعته قال فلصقت بيد رجلين أو ثلاثة فقال فيكم الغلول أنتم غللتم قال فأخرجوا له مثل رأس بقرة من ذهب قال فوضعوه في المال وهو بالصعيد فأقبلت النار فأكلته فلم تحل الغنائم لأحد من قبلنا ذلك بأن الله تبارك وتعالى رأى ضعفنا وعجزنا فطيبها لنا) ويرى العلماء أن هذا النبي هو يوشع بن نون، فقد كان اليهود لا يعملون ولا يحاربون يوم السبت، وعندما خشي أن يذهب النصر إذا توقف اليهود عن القتال، فدعى الله أن يحبس الشمس. واخْتـُلِفَ في حبس الشمس المذكور هنا, فقيل: ردت على أدراجها, وقيل: وقفت ولم ترد, وقيل: أبطئ بحركتها, وكل ذلك من معجزات النبوة . صدر الأمر الإلهي لبني إسرائيل أن يدخلوا المدينة سجدا.. أي راكعين مطأطئي رءوسهم شاكرين لله عز وجل ما من به عليهم من الفتح. أمروا أن يقولوا حال دخولهم: (حِطَّةٌ).. بمعنى حط عنا خطايانا التي سلفت، وجنبنا الذي تقدم من آبائنا. إلا أن بني إسرائيل خالف ما أمرت به قولا وفعلا.. فدخلوا الباب متعالين متكبرين، وبدلوا قولا غير الذي قيل لهم.. فأصابهم عذاب من الله بما ظلموا. كانت جريمة الآباء هي الذل، وأصبحت جريمة الأبناء الكبرياء والافتراء. ولم تكن هذه الجريمة هي أول جرائم بني إسرائيل ولا آخر جرائمهم، فقد عذبوا رسلهم كثيرا بعد موسى، وتحولت التوراة بين أيديهم إلى قراطيس يبدون بعضها ويخفون كثيرا. حسبما تقتضي الأحوال وتدفع المصلحة المباشرة، وكان هذا الجحود هو المسؤول عما أصاب بني إسرائيل من عقوبات. عاد بنو إسرائيل إلى ظلمهم لأنفسهم.. اعتقدوا أنهم شعب الله المختار، وتصوروا انطلاقا من هذا الاعتقاد أن من حقهم ارتكاب أي شيء وكل شيء.. وعظمت فيهم الأخطاء وتكاثرت الخطايا وامتدت الجرائم بعد كتابهم إلى أنبيائهم، فقتلوا من قتلوا من الأنبياء. وسلط الله عليهم بعد رحمة الأنبياء قسوة الملوك الجبارين، يظلمونهم ويسفكون دمائهم، وسلط الله أعدائهم عليهم ومكن لهم من رقابهم وأموالهم. وكان معهم تابوت الميثاق. وهو تابوت يضم بقية مما ترك موسى وهارون، ويقال إن هذا التابوت كان يضم ما بقي من ألواح التوراة التي أنزلت على موسى ونجت من يد الزمان. وكان لهذا التابوت بركة تمتد إلى حياتهم وحروبهم، فكان وجود التابوت بينهم في الحرب، يمدهم بالسكينة والثبات، ويدفعهم إلى النصر، فلما ظلموا أنفسهم ورفعت التوراة من قلوبهم لم يعد هناك معنى لبقاء نسختها معهم، وهكذا ضاع منهم تابوت العهد، وضاع في حرب من حروبهم التي هزموا فيها. وساءت أحوال بني إسرائيل بسبب ذنوبهم وتعنتهم وظلمهم لأنفسهم. ومرت سنوات وسنوات. واشتدت الحاجة إلى ظهور نبي ينتشلهم من الوهدة السحيقة التي أوصلتهم إليها فواجع الآثام وكبائر الخطايا.
ملخص قصة يوشع بن نون
ملخص قصة يوشع بن نون عليه السلام هو يوشع بن نون بن أفراييم بن يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم الخليل عليهم السلام. وقد ذكر في القرآن غير مصرح باسمه، في قصة موسى والخضر عليهم السلام في قوله تعالى: وإذ قال موسى لفتاه وقد اتفق أهل الكتاب على نبوته عليه السلام وقد نبئ في حياة موسى عليه السلام، واختلفوا في فتحه بيت المقدس، هل كان في حياة موسى عليه السلام وأنه كان على مقدمة جيشه أم أنه فتحها بعده، وقد حبس الله تعالى الشمس أن تغيب ساعة من نهار حتى فتح الله تعالى عليه. وقد دخل المدينة عليه السلام واستقرت يد بني إسرائيل على بيت المقدس ومعه يوشع يحكم بينهم حتى قبض عليه السلام.
نبوة يوشع بن نون
وهو متفق على نبوته عند أهل الكتاب ، فإن طائفة منهم وهم السامرة لا يقرون بنبوة أحد بعد موسى إلا يوشع بن نون; لأنه مصرح به في التوراة ويكفرون بما وراءه ، وهو الحق من ربهم ، فعليهم لعائن الله المتتابعة إلى يوم القيامة . وأما ما حكاه ابن جرير وغيره من المفسرين ، عن محمد بن إسحاق ، من أن النبوة حولت من موسى إلى يوشع في آخر عمر موسى ، فكان موسى يلقى يوشع فيسأله ما أحدث الله إليه من الأوامر والنواهي ، حتى قال له : يا كليم الله إني كنت لا أسألك عما يوحي الله إليك ، حتى تخبرني أنت ابتداء من تلقاء نفسك . فعند ذلك كره موسى الحياة ، وأحب الموت . ففي هذا نظر; لأن موسى ، عليه السلام ، لم يزل الأمر ، والوحي ، والتشريع ، والكلام من الله إليه في جميع أحواله ، حتى توفاه الله ، عز وجل ، ولم يزل معززا ، مكرما ، مدللا ، وجيها عند الله وقد ذكر أن الله تعالى جعل يوشع نبيا في زمن موسى ، فلما توفي موسى ابتعثه الله تعالى ، فأقام لبني إسرائيل أحكام التوراة ، وهو الذي قسم الشام بين بني إسرائيل وعن إبراهيم بن عمرو الصنعاني ، قال: أوحى الله عز وجل إلى يوشع بن نون: إني مهلك من قومك أربعين ألفا من خيارهم ، وستين ألفا من شرارهم . قال: يا رب فما بال الأخيار؟ قال: إنهم لم يغضبوا لغضبي ، وكانوا يؤاكلونهم ويشاربونهم
يوشع بن نون ، عليه السلام وفتح مدينة الجبارين
أمر الله تعالى موسى ، عليه السلام ، أن يكتب أسماء المقاتلة من بني إسرائيل ، ممن يحمل السلاح ويقاتل ، ممن بلغ عشرين سنة فصاعدا ، وأن يجعل على كل سبط نقيبا منهم; السبط الأول سبط روبيل; لأنه بكر يعقوب ، كان عدة المقاتلة منهم ستة وأربعين ألفا وخمسمائة ، ونقيبهم منهم ، وهو أليصور بن شديئورا ، السبط الثاني سبط شمعون ، وكانوا تسعة وخمسين ألفا وثلاثمائة ، ونقيبهم شلوميئيل بن هوريشداي ، السبط الثالث سبط يهوذا ، وكانوا أربعة وسبعين ألفا وستمائة ، ونقيبهم نحشون بن عميناداب ، السبط الرابع سبط إيساخر ، وكانوا أربعة وخمسين ألفا وأربعمائة ، ونقيبهم نشائيل بن صوغر ، السبط الخامس سبط يوسف ، عليه السلام ، وكانوا أربعين ألفا وخمسمائة ، ونقيبهم يوشع بن نون ، السبط السادس سبط ميشا ، وكانوا أحدا وثلاثين ألفا ومائتين ، ونقيبهم جمليئيل بن فدهصور . السبط السابع سبط بنيامين ، وكانوا خمسة وثلاثين ألفا وأربعمائة ، ونقيبهم أبيدن بن جدعون ، السبط الثامن سبط جاد ، وكانوا خمسة وأربعين ألفا وستمائة وخمسين رجلا ، ونقيبهم الياساف بن رعوئيل ، السبط التاسع سبط أشير ، وكانوا أحدا وأربعين ألفا وخمسمائة ، ونقيبهم فجعيئيل بن عكرن ، السبط العاشر سبط دان ، وكانوا اثنين وستين ألفا وسبعمائة ، ونقيبهم أخيعزر بن عميشداي ، السبط الحادي عشر سبط نفتالي ، وكانوا ثلاثة وخمسين ألفا وأربعمائة ، ونقيبهم أخيرع بن عين ، السبط الثاني عشر سبط زبولون ، وكانوا سبعة وخمسين ألفا وأربعمائة ، ونقيبهم ألباب بن حيلون . هذا نص كتابهم الذي بأيديهم . والله أعلم . وليس منهم بنو لاوي ، فأمر الله موسى أن لا يعدهم معهم; لأنهم موكلون بحمل قبة الشهادة ، وخزنها ونصبها إذا ارتحلوا وهم سبط موسى وهارون ، عليهما السلام ، وكانوا اثنين وعشرين ألفا من ابن شهر فما فوق ، ذلك وهم في أنفسهم قبائل ، إلى كل قبيلة طائفة من قبة الزمان يحرسونها ، ويحفظونها ، ويقومون بمصالحها ، ونصبها ، وحملها ، وهم كلهم حولها ينزلون ويرتحلون أمامها ويمينها وشمالها ووراءها . وجملة ما ذكر من المقاتلة ، غير بني لاوي ، خمسمائة ألف وأحد وسبعون ألفا وستمائة وستة وخمسون ، لكن قالوا : فكان عدد بني إسرائيل ممن عمره عشرون سنة فما فوق ذلك ممن حمل السلاح ، ستمائة ألف وثلاثة آلاف وخمسمائة وخمسين رجلا ، سوى بني لاوي وفي هذا نظر; فإن جميع الجمل المتقدمة ، إن كانت كما وجدنا في كتابهم لا تطابق الجملة التي ذكروها . والله أعلم . فكان بنو لاوي الموكلون بحفظ قبة الزمان ، يسيرون في وسط بني إسرائيل ، وهم القلب ، ورأس الميمنة بنو روبيل ، ورأس الميسرة بنو ران ، وبنو نفتالي يكونون ساقة ، وقرر موسى ، عليه السلام ، بأمر الله تعالى له ، الكهانة في بني هارون ، كما كانت لأبيهم من قبلهم ، وهم : ناداب ، وهو بكره ، وأبيهو ، والعازر ، ويثمر . والمقصود أن بني إسرائيل لم يبق منهم أحد ممن كان نكل عن دخول مدينة الجبارين ، الذين قالوا : فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون [ المائدة : 24 ] . قاله الثوري ، عن أبي سعيد ، عن عكرمة ، عن ابن عباس . وقاله قتادة ، وعكرمة ، ورواه السدي ، عن ابن عباس ، وابن مسعود ، وناس من الصحابة ، حتى قال ابن عباس ، وغيره من علماء السلف والخلف : ومات موسى ، وهارون قبله ، كلاهما في التيه جميعا . وقد زعم ابن إسحاق أن الذي فتح بيت المقدس هو موسى ، وإنما كان يوشع على مقدمته لكن لعله لما أراد موسى دخول بيت المقدس ، أول مقدمه من الديار المصرية ، ولعله مراد ابن إسحاق ، ولكنه ما فهمه بعض الناقلين عنه . وقد قدمنا عن نص التوراة ما يشهد لبعض هذا . والله أعلم . ولعل هذه قصة أخرى كانت في خلال سيرهم في التيه ، فإن في هذا السياق ذكر حسبان ، وهي بعيدة عن أرض بيت المقدس ، أو لعله كان هذا لجيش موسى الذين عليهم يوشع بن نون ، حين خرج بهم من التيه قاصدا بيت المقدس ، كما صرح به السدي . والله أعلم . وفاة هارون بالتيه وعلى كل تقدير ، فالذي عليه الجمهور ، أن هارون توفي بالتيه قبل موسى أخيه بنحو من سنتين . وبعده موسى في التيه أيضا ، كما قدمنا ، وأنه سأل ربه أن يقرب إلى بيت المقدس ، فأجيب إلى ذلك ، فكان الذي خرج بهم من التيه ، وقصد بهم بيت المقدس ، هو يوشع بن نون ، عليه السلام ، فذكر أهل الكتاب ، وغيرهم من أهل التاريخ ، أنه قطع ببني إسرائيل نهر الأردن ، وانتهى إلى أريحا ، وكانت من أحصن المدائن سورا ، وأعلاها قصورا ، وأكثرها أهلا ، فحاصرها ستة أشهر ، ثم إنهم أحاطوا بها يوما ، وضربوا بالقرون ، يعني الأبواق ، وكبروا تكبيرة رجل واحد ، فتفسخ سورها ، وسقط وجبة واحدة ، فدخلوها ، وأخذوا ما وجدوا فيها من الغنائم ، وقتلوا اثني عشر ألفا من الرجال والنساء ، وحاربوا ملوكا كثيرة ، ويقال : إن يوشع ظهر على أحد وثلاثين ملكا من ملوك الشام . وذكروا أنه انتهى محاصرته لها إلى يوم جمعة بعد العصر ، فلما غربت الشمس ، أو كادت تغرب ، ويدخل عليهم السبت الذي جعل عليهم ، وشرع لهم ذلك الزمان ، قال لها : إنك مأمورة وأنا مأمور ، اللهم احبسها علي . فحبسها الله عليه ، حتى تمكن من فتح البلد ، وأمر القمر فوقف عند الطلوع ، وهذا يقتضي أن هذه الليلة كانت الليلة الرابعة عشرة من الشهر . والأول ، وهو قصة الشمس المذكورة في الحديث الذي سأذكره . وأما قصة القمر ، فمن عند أهل الكتاب ، ولا ينافي الحديث ، بل فيه زيادة تستفاد ، فلا تصدق ولا تكذب ، ولكن ذكرهم أن هذا في فتح أريحا فيه نظر ، والأشبه ، والله أعلم ، أن هذا كان في فتح بيت المقدس ، الذي هو المقصود الأعظم ، وفتح أريحا كان وسيلة إليه . والله أعلم . قال الإمام أحمد بسنده عن أبي هريرة ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن الشمس لم تحبس لبشر إلا ليوشع ليالي سار إلى بيت المقدس . انفرد به أحمد من هذا الوجه ، وهو على شرط البخاري . وفيه دلالة على أن الذي فتح بيت المقدس هو يوشع بن نون ، عليه السلام ، لا موسى ، وأن حبس الشمس كان في فتح بيت المقدس لا أريحا ، كما قلنا وفيه أن هذا كان من خصائص يوشع ، عليه السلام ، فيدل على ضعف الحديث الذي رويناه; أن الشمس رجعت حتى صلى علي بن أبي طالب صلاة العصر ، بعد ما فاتته ، بسبب نوم النبي صلى الله عليه وسلم على ركبته ، فسأل رسول الله أن يردها عليه ، حتى يصلي العصر ، فرجعت . وقد صححه أحمد بن صالح المصري ، ولكنه منكر ، ليس في شيء من الصحاح ولا الحسان ، وهو مما تتوفر الدواعي على نقله ، وتفردت بنقله امرأة من أهل البيت مجهولة ، لا يعرف حالها . والله أعلم . وقال الإمام أحمد بسنده عن أبي هريرة ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : غزا نبي من الأنبياء فقال لقومه : لا يتبعني رجل قد ملك بضع امرأة وهو يريد أن يبني بها ولما يبن ، ولا آخر قد بنى بنيانا ولم يرفع سقفها ، ولا آخر قد اشترى غنما أو خلفات وهو ينتظر أولادها . فغزا فدنا من القرية حين صلى العصر أو قريبا من ذلك ، فقال للشمس : أنت مأمورة وأنا مأمور ، اللهم احبسها علي شيئا . فحبست عليه حتى فتح الله عليه ، فجمعوا ما غنموا فأقبلت النار لتأكله ، فأبت أن تطعمه فقال : فيكم غلول فليبايعني من كل قبيلة رجل . فبايعوه ، فلصقت يد رجل بيده ، فقال : فيكم الغلول ولتبايعني قبيلتك . فبايعته قبيلته ، فلصق بيد رجلين أو ثلاثة فقال : فيكم الغلول ، أنتم غللتم . فأخرجوا له مثل رأس بقرة من ذهب ، قال : فوضعوه بالمال وهو بالصعيد ، فأقبلت النار فأكلته ، فلم تحل الغنائم لأحد من قبلنا ، ذلك بأن الله رأى ضعفنا ، وعجزنا ، فطيبها لنا انفرد به مسلم من هذا الوجه . والمقصود أنه لما دخل بهم باب المدينة ، أمروا أن يدخلوها سجدا أي ركعا متواضعين شاكرين لله ، عز وجل ، على ما من به عليهم من الفتح العظيم ، الذي كان الله وعدهم إياه ، وأن يقولوا حال دخولهم : حطة . أي; حط عنا خطايانا التي سلفت من نكولنا الذي تقدم منا . ولهذا لما دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة يوم فتحها دخلها وهو راكب ناقته ، وهو متواضع حامد شاكر ، حتى إن عثنونه ، وهو طرف لحيته ، ليمس مورك رحله ، مما يطأطئ رأسه خضعانا لله ، عز وجل ، ومعه الجنود والجيوش ، ممن لا يرى منه إلا الحدق لا سيما الكتيبة الخضراء ، التي فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم لما دخلها ، اغتسل وصلى ثماني ركعات . وهي صلاة الشكر على النصر ، على المنصور من قولي العلماء . وقيل : إنها صلاة الضحى . وما حمل هذا القائل على قوله هذا ، إلا لأنها وقعت وقت الضحى . وأما بنو إسرائيل ، فإنهم خالفوا ما أمروا به قولا وفعلا; دخلوا الباب يزحفون على أستاههم وهم يقولون : حبة في شعرة . وفي رواية : حنطة في شعرة . وحاصله : أنهم بدلوا ما أمروا به ، واستهزءوا به ، كما قال تعالى ، حاكيا عنهم في سورة " الأعراف " ، وهي مكية : وإذ قيل لهم اسكنوا هذه القرية وكلوا منها حيث شئتم وقولوا حطة وادخلوا الباب سجدا نغفر لكم خطيئاتكم سنزيد المحسنين فبدل الذين ظلموا منهم قولا غير الذي قيل لهم فأرسلنا عليهم رجزا من السماء بما كانوا يظلمون [ الأعراف : 161 ، 162 ] . وقال تعالى في سورة " البقرة " وهي مدنية مخاطبا لهم : وإذ قلنا ادخلوا هذه القرية فكلوا منها حيث شئتم رغدا وادخلوا الباب سجدا وقولوا حطة نغفر لكم خطاياكم وسنزيد المحسنين فبدل الذين ظلموا قولا غير الذي قيل لهم فأنزلنا على الذين ظلموا رجزا من السماء بما كانوا يفسقون [ البقرة : 58 ، 59 ] . وعن ابن عباس ، وادخلوا الباب سجدا قال : ركعا من باب صغير . رواه الحاكم ، وابن جرير ، وابن أبي حاتم ، قال مجاهد والسدي ، والضحاك : الباب هو باب حطة من بيت إيلياء ، بيت المقدس . قال ابن مسعود : فدخلوا مقنعي رؤوسهم ، ضد ما أمروا به . وهذا لا ينافي قول ابن عباس ، أنهم دخلوا يزحفون على أستاههم .، فإنهم دخلوا يزحفون وهم مقنعو رءوسهم . وقوله : وقولوا حطة الواو هنا حالية ، لا عاطفة أي ادخلوا سجدا في حال قولكم : حطة . قال ابن عباس ، وعطاء ، والحسن ، وقتادة ، والربيع : أمروا أن يستغفروا . قال البخاري بسنده عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : قيل لبني إسرائيل : ادخلوا الباب سجدا ، وقولوا حطة . فدخلوا يزحفون على أستاههم فبدلوا وقالوا : حطة حبة في شعرة وعن ابن مسعود قال في قوله : فبدل الذين ظلموا قولا غير الذي قيل لهم قال : قالوا : ( هطى سمقاثا أزبة مزبا ) فهي بالعربية : حبة حنطة حمراء مثقوبة ، فيها شعرة سوداء . وقد ذكر الله تعالى أنه عاقبهم على هذه المخالفة بإرسال الرجز الذي أنزله عليهم ، وهو الطاعون ، كما ثبت في " الصحيحين " من حديث الزهري ، عن عامر بن سعد ، وعن أسامة بن زيد ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أنه قال : إن هذا الوجع - أو السقم - رجز عذب به بعض الأمم قبلكم وقال أبو العالية : هو الغضب . وقال الشعبي : الرجز إما الطاعون ، وإما البرد . وقال سعيد بن جبير هو الطاعون . وزعم هشام بن محمد الكلبي: أن بقية بقيت من الكنعانيين بعد قتل يوشع من قتل منهم ، وأن إفريقيش بن قيس بن صيفي بن سبأ بن كعب مر بهم متوجها إلى إفريقية ، فاحتلها وقتل ملوكها وأسكنها البقية التي بقيت من الكنعانيين ، فهم البرابرة ، وإنما سموا بربرا لأن إفريقيش قال لهم: ما أكثر بربرتكم ، فسموا لذلك بربرا . فقالوا: ونهض يوشع إلى بعض الملوك فقاتله فغلبه وصلبه على خشبة وأحرق المدينة ، وقتل من أهلها اثني عشر ألفا . واحتال أهل بلد آخر حتى جعل لهم أمانا فظهر على باطنهم ، فدعا الله عليهم أن يكونوا حطابين وسقاءين ، فكانوا كذلك . وهرب خمسة من الملوك فاختفوا في غار ، فأمر يوشع بسد باب الغار حتى فرغ من أعدائه ، ثم أخرجهم فقتلهم وصلبهم . وتتبع سائر الملوك واستباح منهم واحدا وثلاثين ملكا ، وقسم الأرض التي غلب عليها . ولما استقرت يد بني إسرائيل على بيت المقدس ، استمروا فيه ، وبين أظهرهم نبي الله يوشع ، يحكم بينهم بكتاب الله التوراة ، حتى قبضه الله إليه ، وهو ابن مائة وسبع وعشرين سنة ، فكان مدة حياته بعد موسى ، سبعا وعشرين سنة . لا يعلم بقبره أحد من الخلق . وقيل دفن في جبل إفراييم .
الملوك بعد يوشع بن نون عليه السلام
أما الملوك ، فإن منوشهر هلك في زمن يوشع فملك أفراسياب ، وكان يكثر المقام ببابل وبمهرجان قذق ، فأكثر الفساد في مملكة فارس ، ودفن الأنهار والقني ، وقحط الناس في سنة خمس من [ملكه ، إلى أن خرج عن] مملكة [أهل فارس] ، وغارت المياه ، وحالت الأشجار المثمرة إلى أن ظهر عليه ملك يقال له: "زو" من أولاد منوشهر ، وبينهما عدة آباء ، فطرده عن مملكة أهل فارس ، وأصلح ما كان أفسد ، ووضع عن الناس الخراج سبع سنين ، فعمرت البلاد في مملكته ، وكثرت المياه فيها ، واستخرج بالسواد نهرا فسماه الزاب ، وأمر فبنيت على حافتيه مدينة وهي التي تسمى المدينة العتيقة ، وغرس فيها الغروس ، وكان من أول من اتخذ له ألوان الطبيخ ، وقال يوم ملك وعقد التاج على رأسه: نحن متقدمون في عمارة ما أخربه الساحر فريساب . وكان جميع ملك زو ثلاث سنين ، ملك ابنه بعده كيقباد ، وكان يشبه فرعون في الكبر . وجاء بأولاد جبابرة ، وسمى المدن بأسمائها ، وجرت بينه وبين الترك وغيرهم حروب كثيرة ، وكان نازلا بالقرب من نهر بلخ ليمنع الترك أن يتطرقوا إلى حدود فارس ، وكان ملكه مائة سنة ، وكان القيم بأمر بني إسرائيل يوشع ، ثم كالب بن يوفنا ، ثم حزقيل .